محمد علي سلامة

90

منهج الفرقان في علوم القرآن

الشبه التي أثيرت حول المكي والمدني وردها اعتاد المبشرون والملاحدة أن يتلمسوا المطاعن في القرآن ، وغرضهم بذلك التشكيك في أن القرآن من عند اللّه ومن أعجب العجب أن كفار قريش وأهل الكتاب والمنافقين الذين قاوموا الدعوة ووقفوا في سبيلها بكل ما لديهم من حيلة وقوة لم يطعنوا في القرآن بمثل هذه الشبه وقد كان يقرعهم ويسفه عقولهم وينعى عليهم تقليدهم الأعمى وكانوا حريصين على تلمس الشبه والحجاج بالباطل والدعاوى الكاذبة كقولهم « سحر مفترى » أو « به جنة » ولم تطاوعهم عقولهم وأحلامهم أن يطعنوا بما جاء به هؤلاء المبشرون والملاحدة بعد القرون المتلاحقة وأن يتقولوا على القرآن الكريم ما لم يجرأ على تقوله أسلافهم ولولا الحرص على هداية ضال أو حماية عقيدة جاهل من مضلل لوفرنا على القارئ وقته في سرد هذه الشبه وردها ، وكل هذه الشبه ترجع إلى أصل واحد في زعمهم وهو الطعن في أن القرآن من عند اللّه وهذه هي الشبه وردها : ( أولا ) قالوا : إن القسم المكي قصير السور قصير الآيات وأما القسم المدني فهو طويل السور طويل الآيات والسبب في هذا الاختلاف تأثر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بالبيئة ، فأهل مكة قوم أميون لا يقدرون على إنشاء العبارات الطويلة وأما أهل المدينة فكانوا بين أهل كتاب أو متصل بأهل الكتاب لهم قدرة على إنشاء العبارات الطويلة فتأثر بهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ووجدت عنده ملكة التعبير والقدرة عليه فصار يأتي بسور طويلة وآيات طويلة . وللرد على هذه الشبهة نقول : ( 1 ) إن طول الكلام وقصره تابع لمقتضى الحال الذي هو عماد البلاغة عند من يعرف البلاغة وليس تابعا للبيئة ولا متأثرا بالوسط . ( 2 ) دعوى أن أهل مكة كانوا أقل فصاحة وبلاغة من أهل المدينة دعوى يكذبها الواقع والتاريخ الصحيح فإن قريشا وهم أهل مكة كان إليهم الحكم النافذ والقول الفصل بين الشعراء والخطباء وكانوا من المكان الأعلى في معرفة أساليب الكلام وفنونه .